التصنيفات
Uncategorized

دورة حياة شركات تقنية المعلومات

ولادة شركات الستارت أب (Startup) وخروجها من عنق الزجاجة

بات واضحاً للجميع أن صناعة تقنية المعلومات هي أسرع الصناعات تطوراً في العالم. أحدث المعلومات التقنية اليوم، تُصبح قديمة وربما عديمة الفائدة خلال أشهر فقط. من يصغرنا بعشر سنين أو أكثر ينظر إلينا وكأن لدينا تخلف تقني؟! ما سبب هذه السرعة الجائرة في تطور التقنية؟ لا شك أن الأبحاث العلمية والأكاديمية تلعب دوراً مُهماً في تطوير جميع الصناعات بما فيها تقنية المعلومات. لكن طبيعة دورة حياة شركات تقنية المعلومات – برأيي – تلعب الدور الأكبر في تسارع تطوير التقنيات. على وجه الخصوص نسبة النمو السنوية المتوقعة لإيرادات شركات التقنية تشكّل ديناميكية الصناعة بالكامل.  لنتأمل في طبيعة هذه الشركات ونحاول فهم دورة حياتها.

ولادة الستارت أب

تُولد شركات تقنية المعلومات كشركة ناشئة ستارت أب‘ (Start-up Company أو Startup). يُؤسس هذه الشركات شخص أو بضعة أشخاص إغتنموا فرصة وجود فجوة إحتياج تقنية لدى جهات الأعمال ’إنتربرايز بزنس‘ (Enterprise Businesses) أو المستخدم الفردي ’كونسيومر‘ (Consumer) لم تعالجها التقنيات المتاحة حالياً. تبدأ الستارت أب متناهية في الصغر مع خطة نمو شرهة لمضاعفة مبيعاتها عدة أضعاف خلال سنواتها الأولى (متوسط النمو %150 أول خمس سنوات). بدايتها يكون بعدد محدود من الحلول الجديدة المتميزة تسد الفجوة المستهدفة. النمو الطموح المتوقع للستارت أب يُحتم عليها صرف أكثر من إيراداتها – بالتالي عدم الربحية – على أن تتحول إلى الربحية بعد فترة محددة بحسب خطة الأعمال الموضوعة عند التأسيس. لا يتوقع المستثمرون الحصول على أرباح للشركة خلال السنوات الأولى – على العكس- يتوقع أن يتم ضخ مبالغ إضافية فيها. شركة أمازون (Amazon) – على سبيل المثال – لم ترى الربحية إلا بعد سبعة (7) أعوام من إنشائها. يراهن المستثمرون على أن قيمة حصتهم السهمية في الشركة ستتضاعف عشرات أو مئات المرات بعد نجاح الستارت أب.

 تتميز الستارت أب بكونها بيئة إبداعية، مرنة، جريئة، خالية من البيروقراطية، ولا تعاني من ضغوطات الإعلام والجهات الرقابية. مثلاً بعض الولايات الأمريكية تُخضع الشركات الصغيرة لقوانين تختلف عن الشركات الكبيرة لإعطائها مرونة أكثر في إدارة الأعمال. مميزات الستارت أب تجعلها بيئة خصبة للإبداع تُنتج معظم التقنيات الثورية التي تُغير مجرى حياتنا. أُمنية كل ستارت أب منذ نشئتها إما أن تنضج وتتحول لشركة عامة متداولة (نادراً)، أو أن يُستحوذ عليها من قبل شركة أخرى (غالباً).

عنق الزجاجة

عنق الزجاجة

معظم الدراسات حول جدوى الستارت أبز سواء في الخليج العربي أو الولايات المتحدة الأمريكية تضع سقف نسبة نجاحها عند 10% . أي من كل عشر شركات ستارت أبز تُنشأ، واحدة فقط تستمر لتصل إلى الربحية بينما التسعة تتوقف قبل ذلك. أهم أسباب عدم نجاح الستارت أب تتمحور حول:
1. عدم جدوى المنتج أو التقنية
2. سوء التنفيذ أو الإدارة
3. خلاف بين المؤسسين
4. المنافسة القوية أو الغير عادلة
5. نفاذ التمويل المتاح
6. عدم وجود أو ملائمة القوانين التنظيمية اللازمة

المعيار الأساسي الذي يقاس به أداء الستارت أب ومنه قدرتها على الإستمرار هو معدل النمو السنوي (Growth) لحجم الإيرادات أو عدد العملاء. إيرادات الشركة تتمثل في مبيعاتها من منتجات، خدمات، وإشتراكات. أما عدد العملاء فيتمثل في عدد المستخدمين ’يوزر‘ (Users) أو المشتركين ’سبسكرايبر‘ (Subscribers). لا يمكن قياس أداء الستارت أب بربحيتها، فهي تعمل في إطار الخسارة المالية المدروسة وزيادة الإنفاق. عدم تحقيق نسب النمو المستهدفة في خطة الأعمال، تُفقد المستثمرين ثقتهم في الستارت أب فيجف التمويل، تُغلق، وتُحل. نمو مبيعات/عملاء الستارت أب أهم من تقنين مصاريفها أثناء مرحلة الإنشاء. هناك حلول لمعالجة تقنين المصاريف بعد فترة، كالبحث عن مستثمرين إضافيين عند إنخفاض التمويل، تخفيض تقييم الشركة، إلخ. لكن عدم تحقيق النمو يعني انها أصبحت ضمن ال 90% التي ستتوقف خلال العامين القادمين. لتنمو أي شركة بنسبة تفوق 150% سنوياً، لا يمكن أن تستمر بالعمل هذا العام بنفس طريقة عمل العام الماضي. الستارت أب تحت ضغط كبير ومتواصل للإستمرار بالتغير، التوظيف، إعادة الهيكلة، تطوير المنتجات، مراجعة الأسعار، توسعة قنوات المبيعات وغيرها من متغيرات حتى تستطيع تحقيق نسبة النمو السنوية الضخمة.

سلاح ذو حدين

نسبة إخفاق مشاريع الستارت أب العالية سلاح ذو حدين. فمن جهة يجعل الإستثمار في إنشاء ستارت أب عالي المخاطر، ومن جهة أخرى هذه النسبة تشير أن عدد الأفكار التي تأخذ فرصها كبير، حتى الأفكار الغير مجدية. هذه النسبة تعمل كمصفاة ’فلتر‘ (Filter) لأفكار الستارت أب. تمكين عدد كبير من شركات الستارت أبز بدخول السوق وأخذ فرصتها في تطوير الحلول والتقنيات يعني أن من ينجح منها تملك أفكار إبداعية ربما لم تكن لتأخذ فرصتها في الشركات الكبرى بسبب البيروقراطية والتخوف من المخاطر. خلال السنوات الأولى من إنشائها، قوى السوق الطبيعية ’ماركت فورسز‘ (Market Forces) تُصفي شركات الستارت أبز الغير مجدية ليبقى فقط من أنتج حلول وتقنيات وجدت تجاوب من السوق. الفترة الحرجة للستارت أب للخروج من عنق الزجاجة عادة تتراوح بين 3-5 سنوات من الإنشاء. إذا ناورت الستارت أب التحديات الستة السابقة، وحققت نسبة النمو المستهدفة خلال هذه السنوات، سيسهل عملية جذب مستثمرين لضخ مبالغ فيها عبر جولات تمويلية. يُستخدم هذا التمويل لتغطية تكاليف تحويل الستارت أب إلى شركة متوسطة الحجم متكاملة تحوي الأقسام التقليدية: المالية، الموارد بشرية، التسويق، المبيعات، التصنيع، التوزيع، تقنية المعلومات، الصيانة وما بعد البيع، إلخ

في الجزء القادم بإذن الله نكمل حديثنا عن دورة حياة الستارت أب وتحولها من مكتب صغير ببضعة أشخاص إلى كوربرت عالمية.

أضف تعليق